الشوكاني
280
فتح القدير
وقيل على بصيرة . وقرأ سعيد بن جبير ( تذكروا ) بتشديد الذال . قال النحاس : ولا وجه له في الغريبة . قوله ( وإخوانهم يمدونهم في الغى ) قيل المعنى : وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس على أن الضمير في إخوانهم يعود إلى الشيطان المذكور سابقا ، والمراد به الجنس ، فجاز إرجاع ضمير الجمع إليه . ( يمدونهم في الغي ) أي تمدهم الشياطين في الغي وتكون مددا لهم ، وسميت الفجار من الإنس إخوان الشياطين لأنه يقبلون منهم ويقتدون بهم ، وقيل : إن المراد بالإخوان الشياطين وبالضمير الفجار من الإنس ، فيكون الخبر جاريا على من هوله . وقال الزجاج : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) لأن الكفار إخوان الشياطين ، ( ثم لا يقصرون ) الاقصار : الانتهاء عن الشئ : أي لا تقصر الشياطين في مد الكفار في الغي ، قيل إن في الغي متصلا بقوله ( يمدونهم ) وقيل بالإخوان ، والغي : الجهل . قرأ نافع ( يمدونهم ) بضم حرف المضارعة وكسر الميم . وقرأ الباقون بفتح حرف المضارعة وضم الميم ، وهما لغتان : يقال مد وأمد . قال مكي : ومد أكثر . وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة : فإنه يقال إذا كثر شئ شيئا بنفسه مده ، وإذا كثره بغيره ، قيل أمده نحو - يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة - وقيل يقال مددت في الشر وأمددت في الخير . وقرأ عاصم الجحدري ( يمادونهم في الغى ) وقرأ عيسى بن عمر ( ثم لا يقصرون ) بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف . قوله ( وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ) اجتبى الشئ بمعنى جباه لنفسه : أي جمعه أي هلا اجتمعتها افتعالا لها من عند نفسك ، وقيل المعنى اختلقتها ، يقال اجتبيت الكلام : انتحلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك ، كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تراخى الوحي هذه المقالة ، فأمره الله بأن يجيب عليهم بقوله ( إنما أتبع ما يوحى إلي ) أي لست ممن يأتي بالآيات من قبل نفسه كما تزعمون ( بل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربى ) فما أوحاه إلي وأنزله علي أبلغته إليكم ، وبصائر جمع بصيرة : أي هذا القرآن المنزل علي هو ( بصائر من ربكم ) يتبصر بها من قبلها ، وقيل البصائر الحجج والبراهين . وقال الزجاج : البصائر الطرق ( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) معطوف على بصائر أي هذا القرآن هو بصائر وهدى يهتدى به المؤمنون ورحمة لهم . قوله ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح ، قيل : هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام ، ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقصر على سببه ، فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة وعلى أي صفة مما يجب على السامع ، وقيل هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن دون غيره ولا وجه لذلك ( لعلكم ترحمون ) أي تنالون الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه ، ثم أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه ، فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأدعى للقبول ، قيل المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها . وقال النحاس : لم يختلف في معنى ( واذكر ربك في نفسك ) أنه الدعاء ، وقيل هو خاص بالقرآن : أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبرا و ( تضرعا وخيفة ) منتصبان على الحال : أي متضرعا وخائفا ، والخيفة : الخوف ، وأصلها خوفة قلبت الواو باء لانكسار ما قبلها . وحكى الفراء أنه يقال في جمع خيفة خيف . قال الجوهري : والخيفة الخوف والجمع خيف ، وأصله الواو : أي خوف ( ودون الجهر من القول ) أي دون المجهور به من القول وهو معطوف على ما قبله : أي متضرعا ، وخائفا ، ومتكلما بكلام هو دون الجهر من القول ، و ( بالغدو والآصال ) متعلق باذكر أي أوقات الغدوات وأوقات الأصائل ، والغدو : جمع غدوة ، والآصال : جمع أصيل ، قاله الزجاج والأخفش ، مثل